أبو حامد الغزالي

55

محك النظر

شرحه لها في المحك مماثلا لشرحه في المقاصد والمعيار . ووردت الأمثلة نفسها تقريبا ، مع تفصيل في المحكّ بين الإحساس وقسمته إلى باطن وظاهر . ومن عمليات الطرح والإبدال بين المعيار والمحكّ ما طرأ على الأوليّات التي سيطرت على المحك والمستصفى ، وخفت ضوء ما يقابلها من اصطلاح عقليّ ، يدّعي بديهة العقل . وكان أن استخدم الغزالي بديهة العقل في المعيار والمقاصد بشكل ظاهر على الأوّليّ . والبديهي من المهمّ في مصادر اليقين . وقد عرّفه الجرجاني قائلا : « هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب سواء احتاج إلى شيء آخر من حدس أو تجربة أو غير ذلك أو لم يحتج « 1 » . أمّا الأولي ف « هو الذي بعد توجّه العقل إليه ، لم يفتقر إلى شيء أصلا من حدس أو تجربة ، أو نحو ذلك ، كقولنا الواحد نصف الاثنين . . » « 2 » . ونرى أنّ الأوليّ والبديهيّ لهما المعنى نفسه ، لكنهما يختلفان في دلالات كلّ لفظة لغويّا ، وفي ما توحيان به . فالأوليّ نظرة عددية ، أوّل وثان ، بمعنى غير المتكرر والمتكثّر ، والذي لا يحتاج إلى استدلال وترابط وتضايف . ويوحي من خلال بعده بتصنيف معيّن في مادة القضايا ، لأنّ الأوليّ منها هو النصّ والشرع وكلام الخالق ، فهو الأول والواحد والأصل . بينما البديهيّ معنى عقليّ نفسيّ بمفهوم الإدراك المباشر . وقد طغى التعبير بحسب أغراض ومعطيات كلّ كتاب ، عقليّة منطقيّة كانت أو دينيّة أصوليّة . وملخّص مادة القياس ويقينيّته في المحكّ خليط من الإحساس والتجربة والتواتر والعقل . وتدلّ كلّ لفظة على اتّجاه معيّن في المعرفة . إلا أنّها جميعها تشير إلى تعدّد مصادر اليقين ، وتثبت تعدديّة الخلفيّة المعرفيّة عند الإمام . وقد شكّ بها الغزالي وصولا للحقيقة ، وما لبث أن أصرّ مجدّدا ، في كتبه الأخيرة ، على كونها مصادر اليقين « 3 » .

--> ( 1 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 29 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 26 . ( 3 ) الغزالي ، مقدمة المستصفى ، ص 29 .